فؤاد ابراهيم
56
الشيعة في السعودية
الغربة التي عاشها المجتمع داخل حدود الدولة تمثّل أحد تعبيرات القسمة العميقة التي أوجدتها السلطة في بنيته ، إذ إن السكان لم يشعروا بأنهم قد انتظموا في وحدة مجتمعية منسجمة ومتراصة ، بل وجدوا أنفسهم ملحقين قسريا بمركز سلطة لا ينتمون إليها ، ولا تمثّل لهم سوى قوة إكراهية . إن هذه الغربة أخذت أشكالا متعددة ثقافية واجتماعية وسياسية . فالجماعات المنضوية داخل الدولة لا تعرف إحداها عن الأخرى سوى أنها تجتمع تحت سلطة واحدة ، من دون روابط ثقافية واجتماعية وروح وطنية مشتركة . نظريا ، كان قيام الدولة سيؤمّن إطارا توحيديا للجماعات إن قررت القيادة السياسية ذلك ، وكان بإمكان هذه القيادة دمج الهويات الفرعية في هوية وطنية عليا ، مستمدة عناصرها من التشكيلة الاجتماعية والثقافية ، إلا أن ذلك لم يحصل ، بل جرى العمل في اتجاه معاكس لهذه المهمة الاستراتيجية . فكان من الطبيعي أن يحاط المسعى التوحيدي لدى الطبقة السياسية بالشك والحذر ، وأن يخضع لتفسيرات أخرى مضادة للمقصد الظاهري ، والسبب أن الوحدة السياسية قامت في الأصل على تقسيم المجتمع ، حتى بات التقسيم أصل وجود الدولة . في تجارب التحركات السياسية المحلية ما يعزز هذا الرأي ، فقد أبدت الطبقة الحاكمة مخاوف متزايدة من أية نشاطات إصلاحية تقوم على تحالفات بين قوى سياسية مختلفة ، كون هذه الطبقة ألفت طريقة في التعامل مع أشتات سياسية واجتماعية ، وكانت تخرج غالبا في مداولاتها مع هذه الأشتات ، منتصرة من خلال أدوات تقسيمية أتقنت استعمالها ببراعة ، وأعانها على ذلك الاستقرار في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية الداخلية والإقليمية والدولية . ولكن ما لم تألفه الطبقة الحاكمة ، بل يثير لديها قلقا شديدا ، هو أن يلتقي الفلول على أرض مشتركة وهدف موحد ، وأن ينتظموا في إطار عمل جمعي لإيصال صوت احتجاجي متناغم إلى القيادة السياسية . لعل ما لم يحظ باهتمام خاص في نظر المراقبين حتى الآن ، هو أن أحد الدوافع لإقدام الحكومة السعودية على مبادرة المصالحة مع المعارضة الشيعية في المنطقة الشرقية ممثلة في